ابن خلدون
338
تاريخ ابن خلدون
بكر إلى تونس مقدما في بطانته ورئيسا على الحاشية المتسمين بالدخلة وكان يعرف بذلك بالمزوار وكان شهما وقورا متدينا وله في الدولة حظ من الظهور وهو الذي تولى كبر السعاية في الحاجب بن القالون حتى ارتاب بمكانه ووفد إلى أبي عمران سنة احدى وعشرين كما قدمناه وولاه السلطان الحجابة مكانه فقام بها مستعينا بالكاتب أبى القاسم بن عبد العزيز لخلوه هو من الأدوات وانما كان شجاعا ذا همة ولم يزل على ذلك إلى أن هلك في شعبان سنة سبع وعشرين وأراد السلطان على الحجابة محمد بن خلدون جدنا الأقرب فأبى ورغب في الإقالة فأجيب جنوحا لما كان بسبيله منذ سنين من الصاغية في السكون والفرار من الرتب وأشار على السلطان بصاحب الثغر محمد بن أبي الحسين بن سيد الناس لتقدمة سلفه مع سلف السلطان وكثرة تابعه وحاشيته وقوة شكيمته في الاضطلاع بما يدفع إليه أخبرني بهذا الخبر أبى رحمه الله وصاحبنا محمد بن منصور بن مزنى قال لي حضرت لاستدعاء جدكم إلى معسكر السلطان بباجة يوم مهلك المزوار وأدخله السلطان إلى رواقه وغاب مليا ثم خرج وقد استفاض بين البطانة والحاشية أنه دعى إلى الخطة فاستكره وأقام السلطان يومئذ في خطة الحجابة الكاتب أبا القاسم بن عبد العزيز يقيم الرسم واستقدم خالصته محمد ابن حاجب أبيه أبى الحسين ابن سيد الناس فقدم في محرم فاتح ثمان وعشرين وولاه حجابته فاضطلع بها وجدد له العقد على بجاية وحجابة ابنه بها فدفع إليها للنيابة عنه في الحجابة صنيعته محمد بن فرحون ومعه كاتبه أبو القاسم بن المريد وجرى الحال على ذلك ببجاية وعساكر زنانة تجوس خلالها ومعاقلهم تأخذ بمخنقها وقدم ابن القالون دوين مقدم ابن سيد الناس بشفاعة من نزيله علي بن أحمد سيد الزواودة وطمع في عوده إلى الخطة وكان من خبره أنه لما تخلف عن السلطان بتونس في خدمة ابن أبي عمران رأى ركوب السفن إلى الأندلس فأعجلهم السلطان عن ذلك وخرج مع ابن أبي عمران فأجلب معه على الحضرة مرارا ولحق بتلمسان ثم جاء مع ابن الشهيد وفعل الأفاعيل ثم انحل أمر ابن الشهيد ولحق هو بالزواودة من رياح ونزل على علي بن أحمد رئيسهم لذلك العهد فأجاره وأنزله بطولقة من بلاد الزاب وخاطب السلطان في شأنه واقتضى له الأمان حتى أسعف ووفد على الحضرة مع أخيه موسى بن أحمد وفى نفس ابن القالون طمع في الخطة وسبقه ابن سيد الناس إلى السلطان فأشغل بها وجاء ابن القالون من بعده فأوصله السلطان إلى نفسه واعتذر إليه ووعده وعقد له على قفصة فسار إليها وصحب موالي السلطان من المعلوجين بشهير وفارح وأوعز ابن سيد الناس إلى مشيخة قفصة يتقبضون على حاميته ليتمكن الموالى منه فلما نزل بساحة البلد قتل في سككها فكانت لقتله هيعة تسامع الناس بعظمها من خارج